محمد حسين الذهبي

73

التفسير والمفسرون

آنفا - وغيره من الصحابة ، كانوا يسألون علماء اليهود الذين اعتنقوا الإسلام ، ولكن لم يكن سؤالهم عن شئ يمس العقيدة . أو يتصل بأصول الدين أو فروعه ، وإنما كانوا يسألون أهل الكتاب عن بعض القصص والأخبار الماضية ، ولم يكونوا يقبلون كل ما يروى لهم على أنه صواب لا يتطرق إليه شك ، بل كانوا يحكمون دينهم وعقلهم ، فما اتفق مع الدين والعقل صدقوه ، وما خالف ذلك نبذوه ، وما سكت عنه القرآن واحتمل الصدق والكذب توقفوا فيه . وبهذا المسلك يكون الصحابة - رضوان اللّه عليهم - قد جمعوا بين قوله عليه الصلاة والسلام « حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج » وقوله « لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ، فإن الأول محمول على ما وقع فيهم من الحوادث والأخبار ؛ لما فيها من العظة والاعتبار ، بدليل قوله بعد ذلك ( فإن فيهم أعاجيب ) . والثاني محمول على ما إذا كان المخبر به من قبلهم محتملا ، ولم يقم دليل على صدقه ولا على كذبه ؛ لأنه ربما كان صدقا في نفس الأمر فيكون في التكذيب به حرج ، وربما كان كذبا في نفس الأمر فيكون في التصديق به حرج ، ولم يرد النهى عن تكذيبهم فيما ورد شرعنا بخلافه ، ولا عن تصديقهم فيما ورد شرعنا بوفاقه ، كما أفاده ابن حجر ونبه عليه الشافعي رضى اللّه عنه « 1 » - وسيأتي مزيد للكلام عن هذين الحديثين عند الكلام عن الإسرائيليات في التفسير . ثم كيف يستبيح ابن عباس رضى اللّه عنه لنفسه أن يحدث عن بني إسرائيل يمثل هذا التوسع الذي يجعله مخالفا لأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقد كان ابن عباس نفسه من أشد الناس نكيرا على ذلك ، فقد روى البخاري في صحيحه عنه أنه قال : « يا معشر المسلمين : تسألون أهل الكتاب وكتابكم الذي أنزل على نبيه صلى اللّه عليه وسلم أحدث الأخبار باللّه ، تقرءونه لم يشب ، وقد حدثكم اللّه أن أهل الكتاب بدلوا ما كتب اللّه . وغيروا بأيديهم الكتاب فقالوا « هذا من عند اللّه ليشتروا به ثمنا قليلا » « 2 » أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم ،

--> ( 1 ) فتح الباري ج 8 ص 120 ( 2 ) في الآية ( 79 ) من سورة البقرة